الديباجة

تُعدُّ الأوطانُ بيوتَ الناسِ، والأممِ، والحضاراتِ، وأرضَ اللهِ التي استُخلِف فيها المستخلفونَ لأجلِ العِمارةِ والتّعميرِ، فلا بِدعَ إن نَطَقَتِ الآيُ البيِّناتُ، والأحاديثُ الواضحاتُ، وسِيرُ السَّلَفِ الصَّالحِ بضرورةِ الذَّوْدِ عن بَيضَةِ الأوطانِ، وَصوْنها عن ذرائِعِ التَّهارُجِ وفوْتِ الأَمانِ؛ والحكمةُ في ذلكَ أنه لا قيامَ لدينٍ أو حضارةٍ أو رسالةٍ في ظلِّ تَصَدُّعاتٍ تَنْخُرُ من الوطن بُنْيَانَه الرُّوحِيَّ والمادِّيَّ.

وفي عصرٍ ذَرَّ فيه قَرنُ الفِتَنِ، واضطربَ حَبْلُ الأمانِ في هذه البُقعَةِ وتِلكَ، واستَبْهمَ سبيلُ النجاةِ على كثيرٍ من النَّاسِ، يَلِجُّ الدّاعي إلى رسمِ صورةٍ وَضِيئةٍ عنِ الوطنِ في المفهومِ الإسلاميِّ، وكَيفيّةِ حِمايتِهِ، وبِنَاءِ حضارتِهِ، وكُلّما أَمستْ هَذِهِ الصورةُ جَلِيّةً في الأذهانِ، استَحْكَمَ سَدُّ كُلِّ ثغرةٍ يَثْغُرُ مِنْها أَهْلُ الدَّسائِسِ للتَّشغِيبِ وبَلْبَلةِ الأفكارِ. 

 ومِنَ البَدَهِيِّ أن تَستَشْعِرَ الأمانةُ العامَّةُ لِندوةِ الحديثِ الشريفِ أَهميَّةَ هذا الموضوعِ، وتَفتحَ البابَ على مِصْراعَيهِ لتأصيلِ مُفرداتِهِ وأبعادِه فِي ظلِّ وَعْيٍ مقاصِدِيٍّ حضاريٍّ رَحيبٍ، فَقرَّ اخْتيارُها عَلى أن يكونَ عُنوانُ هذهِ الدورةِ: "حِمَايَةُ الْوَطَنِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ وَضَرُورَةٌ مُجتمَعِيَّةٌ"، وفي مستودعات السُّنَّةِ وكُنُوزِ أَخبارِها ما يُسعِفُ عَلى الوَفاءِ بهذا العُنوانِ، وإمْدادِ الباحثينَ بِما يُقيمُ مادَّةَ التَّأصِيلِ والتمثيلِ مَعًا.

وأملُ الندوةِ عَريضٌ في أن يُوفَّقَ خبراءُ البحثِ في الجواب عن أسئلةٍ جوهريةٍ مَلَأتِ الدُّنيا، وشَغَلتِ الناسَ: كَيفَ تُحمَى أوطانُنا في زمنِ الفِتَنِ؟ وما سُبلُ دَرْءِ الأخطارِ المُحْدِقةِ بها؟ وما دَورُ أهلِ الفِكرِ والرأيِ في ذلك ؟.